فخر الدين الرازي

269

المطالب العالية من العلم الإلهي

لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ « 1 » وقد دللنا على أن تحصيل العلم : ليس في الوسع . السابع : إن التكليف . إما أن يتوجه على العبد حال استواء الداعي إلى الفعل والترك ، أو حال الرجحان . فإن كان الأول لزم أن يصير مأمورا بالترجيح حال الاستواء ، وذلك تكليف بالجمع بين النقيضين . وإن كان الثاني فهو محال . لأنه [ إن « 2 » ] أمر بترجيح الطرف الراجح كان ذلك أمرا بتكوين الكائن . وهو محال . وإن أمر بترجيح الطرف المرجوح كان ذلك أمرا بأن يحصل المرجوح حال كونه مرجوحا راجحا . فيكون أمرا بالجمع بين النقيضين . وهو محال . ولا يقال : إنه حال الاستواء يكون مأمورا بأن يرجح بعد ذلك . لأنا نقول : هذا باطل . لأنه إما أن يكون المراد منه : أنه حال الاستواء مأمورا بأن يرجح في الزمان الثاني ، قبل مجيء الزمان الثاني ، أو عند مجيئه . والأول محال . لأن إحداث الترجيح في الزمان الثاني قبل حضور الزمان الثاني محال . وإن كان الحق هو الثاني ، فنقول : إن عند مجيء الزمان الثاني يعود التقسيم المذكور فيه . لأن عند مجيء الزمان الثاني ، إما أن يكون الطرفان على السوية ، أو لا يكون على السوية ، وحينئذ تعود المحالات المذكورة . الثامن : إن القدرة إما أن تكون قدرة على الفعل [ حال وجود الفعل « 3 » ] أو حال عدمه . والأول يقتضي أن يقال : الكافر لا قدرة له على الإيمان . مع أنه مأمور بالإيمان . فيكون هذا تكليف بما لا يطاق . والثاني محال . لأن قبل الوجود يكون الشيء باقيا على عدمه الأصلي ، والعدم الأصلي لا يكون مقدورا ، فيمتنع أن تكون القدرة ، قدرة عليه . ولا يقال : القدرة حال عدم الفعل تقتضي حصول وجود ذلك الفعل في الزمان الثاني . لأنا نقول : إما أن يكون المراد أن القدرة تقتضي حصول الوجود في الزمان [ الثاني « 4 » ] قبل حضور الزمان الثاني ، أو بعد حضوره . والقسمان باطلان . على ما سبق تقريره .

--> ( 1 ) سورة محمد ، آية : 19 . ( 2 ) زيادة . ( 3 ) من ( ط ) . ( 4 ) من ( ط ، ل ) .